محمد خليل المرادي

277

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

الشيخ أبو الفتح فاضل القادري ، فإنه لازم دروسه مدة تزيد على سبع سنين ، واستفاد من علومه وحصلت له بركاته ونفحاته وأنفاسه ، ومنهم إنسان عين الأبرار الشيخ محمد أفضل شاه يوربي المنطقي ، قرأ عليه العلوم العقلية كالمنطق والفلسفة كشرح الشمسية للقطب الرازي ، وحاشية السيد الشريف الجرجاني ، وحاشية المنلا عبد الحكيم السلكوتي ، وشرح التهذيب للمولى جلال الدّين الدواني ، مع حاشية الحكيم الفيلسوف ميرزا زاهد الهروي ، ومنهم الكبير الشهير الشيخ عبد الكريم الأويسي ، قرأ عليه كتاب المثنوي المعنوي ، وله مشايخ غيرهم من بلاد الهند . ولما حج وزار النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، سمع الحديث وأصوله على العالم المحدث الشيخ محمد حياة السندي نزيل المدينة ، وقدم دمشق ثم ارتحل منها إلى قسطنطينية في الروم ، ومنها عاد إلى دمشق واستقام متوطنا بها في تكيّة بمحلّة القمّاحين بالقرب من باب السريجة . وكانت أهالي دمشق وغيرها تعتقده ويحترمونه ويجتمعون عنده . وكانت مجالسه كلها حسنة ممتزجة بالآداب والفضائل ، وإليه تورد أرباب المعارف والآمال والكمّل من الناس ، مع ما يبديه من اللطائف ويورده من الفضائل العلمية وغيرها . وكان يسمع الآلات فكانت تضرب في حضرته مع الإنشاد . وقد سئل المترجم عن حكم سماع الآلات فأجاب بقوله : إنها لا تحدث شيئا جديدا في القلب ، وإنما تحرك ما كان كامنا فيه . أقول : وهو جواب صوفي ، غير أني أعجب لجواب العلامة المولى عبد الرحمن العمادي ، المفتي بدمشق ، حين رفع إليه سؤال عن حكم الآلات فأجاب بقوله : أقول قد حرّمه من لا يعترض عليه لصدق مقاله ، وأباحه من لا ينكر عليه لقوّة حاله ، فمن وجد في قلبه شيئا من نور المعرفة فليتقدم ، وإلا فالوقوف عندما حدّه الشرع الشريف أسلم . واللّه تعالى أعلى وأعلم وأحكم . انتهى . أقول : وهذا الجواب عين الصواب . فقد وفّق به بين أهل الظاهر والباطن . ورسالة الأستاذ العارف الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي مشتملة على المباح من ذلك والمكروه والحرام من السماع . وسماها إيضاح الدلالات في سماع الآلات وهي متداولة بين الأيدي . وكان المترجم يقرئ ويدرس في المكان المزبور ، وولي بدمشق تولية المدرسة القيمريّة « 1 » . وأحدث له والدي من زوائد إيراد وقف الجامع الأموي عشرين عثماني . وبعد وفاته وجهت للعالم الفاضل السيد منصور الحلبي . وكان المترجم يختلي في كل سنة أربعين يوما في جمع حافل في مقام الأربعين « 2 » ، في جبل

--> ( 1 ) سمي حي القيمرية باسمها ، بناها سنة 650 ه الأمير ناصر الدّين القيمري . الخطط / 156 . ( 2 ) مقام الأربعين في قاسيون ، هو مغارة سميت بذلك لأنه رؤي فيها أربعون رجلا صالحا يصلون وهي إلى اليوم ، ويقوم بالخدمة فيها رجال من آل « خادم الأربعين » . انظر : المروج السندسية ، صفحة 24 .